قد يكون اسم الكتاب غريبا و
لكن سرعان ما سيزول استغرابك حال قراءتك للمقدمة, فهي تحكي قصة لرجل قطعت يده
اليمنى بسبب تسجيله لما يمر ببلده من ظلم و جور, و قصة أخرى لعبد يغوث اللذي ربط
لسانه بنسعة نعل و ذلك خوفا من تحرك لسانه بالأشعار لنقل الأخبار, فالكاتب هنا
يريد توضيح علاقة اليد و اللسان في حركة الثقافة, و أن من يؤلف سيكون بين حدي سكين
أحدهما سلطوية رسمية و الثانية سلطوية شعبية, و الذكي هو من يلقي حجرا لتحريك الثقافة
الراكدة باكتشاف سبل تعبير و اختراع حيل
لا حصر لها, كهاملت اللذي تقمص دور المجنون كي يفضح المؤامرات تحت لغة الجنون
ليسلم.
نبدأ بالفصل
الأول و الذي استهل بالسؤال: هل نحن حقاَ أمة لا تقرأ؟
أولاً:
تخيل لنا صياغة السؤال أن الثقافة كلها تتمحور حول مفهوم القراءة, لذلك
فعلينا فهم ما تعنيه القراءة, إن القراءة يا سادة هي وسيلة لإرسال و استقبال و ليس
علامة ثقافية بارزة, فطه حسين و المعري و
امرؤ القيس يملكون ثقافة راقية مع فقدانهم لوسيلة القراءة, لذلك فعلينا أن نراجع
المصطلحات الثقافية ذات العمق الحقيقي, فهنالك الثقافة السمعية و البصرية و
الشفاهية, و لكل منا طريقته في الثقافة و ما القراءة إلا صيغة من صيغ الثقافة و
ليست مؤشراً على الثقافة, ثم يعرض الكاتب أدلته على تنوع المصادر الثقافية حيث
الثقافة الشفاهية السائدة في العصر الجاهلي متمثلة في الشعر, و الثقافة السمعية
البصرية في عصرنا الحالي و المتمثلة في التلفاز و المرويات الصوتية.
ثانياً: علينا فهم المقارنة الثقافية فمن الملاحظ أن
تجرى مقارنات بين العرب و الغرب بالإشارة إلى ظاهرة الأكثر مبيعاً حيث تجرى المقارنة
بالأرقام كمحاولة لتكبيت العرب, و الحقيقة هي أن ظاهرة الأكثر مبيعاً في الغرب ليس
علامة على الثقافة الجادة أو مؤشر على القوة الثقافية للغرب, لأن نوعية الكتب
المستهلكة في الغرب هي كتب ساذجة و بسيطة و ليست كتباً في المعرفة و الثقافات
العليا, كمثال كتب هاري بوتر و روايات الخيال العلمي و كتب تدور حول العلاقات
الاجتماعية, و هي إلى الاستهلاك و صناديق النفايات أسرع منها إلى العقول, لذلك
فمسألة ظاهرة الأكثر مبيعاً في الغرب و ضعف ثقافة العرب مجحفة نوعاَ ما.
يأتي بعد ذلك الفصل
الثاني شارحاً بشكل أوسع عن ثقافة الأكثر مبيعاً, و طرح مثالاً استفاض فيه
الكاتب ألا و هو كتاب (لا تحزن) للدكتور عائض القرني. فمبيعات الكتاب وصلت ثلاثة
ملايين نسخة, و لا يدل هذا الرقم أننا أمام ثلاثة ملايين مثقف بل ثلاثة ملايين
حزين, فشعبية الكاتب و اسم كتابه الذي لامس مشكلة اجتماعية يعاني منها شريحة كبيرة
في الوطن العربي من أهم عوامل انتشار الكتاب, لذلك نستطيع القول أن ثلاثة ملايين
اشتروا الكتاب بدافع الاستشفاء لا التثقف. و انتقد بعد ذلك الكتب الاجتماعية المبتذلة و
التي تصل إلى مبيعات عالية لا لمحتواها القائم على أسس علمية و دراسات بل اشتهرت
بسبب حساسية محتواها أو شعبية كاتبها, ككتاب المذيع ستيف هارفي و كتابه (تصرفي
كامرأة و فكري كرجل) و هو كتاب يُنتقد من عنوانه العنصري, فهو يخص المرأة بالعاطفة
و السذاجة بينما يخص الرجل بالتفكير و حسن التدبير, و كأن العنوان ينظر نظرة دونية
للمرأة, و قد نجح الكتاب في الغرب بسبب كونه مجتمع ترتفع فيه انعزالية الفرد و
تقلص دور العائلة و كنتيجة لذلك يلجأ الأفراد إلى نصائح المؤلفين بدلاَ من نصائح
الأمهات و الجدات.
و فضح المؤلف أحد حيل دور النشر
العربية, حيث تطبع خمسمائة نسخة فقط و هذا سيعطيها مجالاً لإعلان نفاد الطبعة الأولى (من دون ذكر أرقام)
و التبشير بالطبعة الثانية, و إذا رأى الزبون أن هذا الكتاب قد صدرت منه طبعتان في
شهور تولد عنده الظن بأهمية الكتاب!
الفصل الثالث
انتقد فيه ربط الأمية بالجهل و التخلف, متناسين أن من قاد المجد هو رسولنا
الأمي عليه أفضل الصلاة و السلام, إن الأمية ليست معياراً يصح القياس عليه للحكم
على التقدم, و إذا ذكرنا الثقافة في أيام مجدنا التليد فإننا نتكلم عن فئة نخبوية
قادت الفكر و الثقافة وسط بحر مائج من الأميين و لم يضرها ذلك, و لم تكن أمية
أغلبية العرب تسبب لهم التخلف, بل إن هؤلاء الأميين هم من فتح المعمورة, إن الأمية هي أمية الأفكار و الرؤى لا أمية القراءة و الكتابة.
إن الذي يقرر مصير التقدم في أمة من الأمم ليس هو وجود ملايين البشر ممن
يقرأون و يكتبون, و لكنها فئة قليلة تجيد هذا الدور و تتمكن منه تمكناً إبداعياً و
علمياً هي التي تقود الأمة للتقدم.
الفصل الرابع:
سافر الكاتب في هذا الفصل إلى ذكرياته حيث بيوت الطين و الحواري الضيقة, حكى لنا بداية صداقته
مع الكتب و كيف باع دراجته العزيزة لأجل شراء الكتب, و ذكر رحلاته مع أصحاب شاركوه
هذا الحب الجميل. عشقه للكتب سينتقل إليك أثناء القراءة لا شعورياً, و من عباراته الغزلية
بالكتب: (و هكذا تأتي الكتب لتكون مصدراً لربيع الروح و نهراً من الذكريات و كنزاً
من الأنفاس و العرق و الإلهام إضافة إلى كونها معرفة حية تظل معك و تدفع بك لتحقق
معاني وجودك و صيغة حياتك)
الكتاب لذيذ لعشاق القراءة و أعتبره شحنة ملكية أضافت نكهة جديدة إلى
الثقافة الراكدة. إنه يجعلنا نرى الثقافة من منظور ثقافي حديث و يعيد فهمنا الخاطئ
لها, أنصح بقراءته لأنه ينمي حاسة صيد الكتب ذات الغزارة الحقيقية للمعرفة.
رابط تحميل الكتاب من هنا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق